12 ـ النية

          (1) الكلام في حقيقة النية و هي من المعاني الذهنية التي يكون معناها القصد الى فعل الشيء و يكون القصد احد مقدمات الارادة كتصور الشيء و الميل و تحريك العضلات كما انه لا معنى لجعل الارادة من معانى القصد كما انه لا معنى لجعل الاختيار من معانى الارادة فان الاختيار صفة منتزعة من العلم و القدرة و الارادة و يكون ايجاب الشارع بنحو الارشاد الى ما هو امر ارتكازي لدى كل انسان عنواناً داعوياً في التحريك نحو الشيء و عليه لابد ان نستعرض عدة نقاط:

          1 ـ تعريف النية

          2 ـ اقسام النية

                         أ ـ الاخطاريه

                         ب ـ الارتكازية

          3 ـ اقسام النية في النظر الشرعي

                         أ ـ القربة المطلقه

                         ب ـ قصد الوجه

                         ج ـ قصد التمييز

          4 ـ النظر الشرعي في النية

          5 ـ مراتب الطاعة و دور سلوك العارفين


 

أ ـ تعريف النية

          ورد في تعريف النية بحسب اللغة و العرف بمعنى القصد في حال الانبعاث و الداعى المحرك الى أمر اللّه‏ و لها تعريف آخر بمعنى العزم على ارادة الشى‏ء و كذا تعرّف بمعنى الارادة التى تنبعث منها حركة العضلات[1].

         و قد تعرض سماحة الوالد  قدس‏سره في انواره بقوله: و النية بمصطلح الشارع و الفقهاء اوسع من الارادة لغة و قد تطلق على القصد و يراد بالقصد الارادة و قد يراد منها الفعل النفسانى المعبر عنه بالكلام النفسى و الطلب بمصطلح الفقهاء و بمعنى العلم و اليقين كالعلم باقامة عشرة ايام للمسافر و ان كان كارها للاقامة، و ربما اطلقت على البناء القلبى كالبناء على الاكثر في الصلاة الرباعية عند الشك و على نية شعبان و ان كان الصائم متردداً في الواقع، و هذا لبناء القلبى نوع من الكلام النفسى و الطلب و قد تطلق على معنى ثامن و هو الارادة التبعية كارادة الزوجة و العبد و الولد تبعاً للأب و الزوج و المولى، و ربما اطلقت تاسعاً على طيب النفس كما في صحة المعاملات و الايقاعات فيراد توطين النفس و ان نشأ عن غير ميل و لا شوق نفسانى فيرضى المتعاملان برضا عقلى و جدانى من غير رغبة شهوية فيقدم على بيع داره و طلاق زوجته لقوت اطفاله و رضا ابيه و قد اطلقت على مبادى‏ء الارادة من الميل و الشوق و الرضاء كقولهم  عليهم‏السلام : «من رضى بعمل قوم اشرك في عملهم».

          ترتب الثواب و العقاب ـ سواء قلنا بان ترتب الثواب و العقاب عقلى ام شرعى ـ على مجرد الميل و الرضا بعمل قوم كما تشاهده من الاخبار الكثيرة التى عقدها في المقدمه صاحب الوسائل و المستدرك و ربما جاءت أيضاً بمعنى تنزيل ارادة شخص منزلة ارادة شخص آخر كالوكالة و النيابة و الوصية بناء على ان الوصية نحو من الوكالة و ليست اعطاء السلطنة من الموصى للوصى فايجاد العمل من النائب يتوقف على تنزيل ارادته منزلة ارادة المنوب عنه فالارادة و ان حصلت من الوكيل الا انها تنزيلية و تبعية وقعت في طول ارادة الموكل و مقومة لارادة الوكيل في العمل.

          و لا يعتبر في النية سبق التردد في الشى‏ء كما نقله بعضهم في الكتب المطولة ـ صاحب البرهان و في طهارة المامقانى  قدس‏سره ـ اذ من الواضح عدم دخل عنوان التردد في حقيقة النية و ماهيتها و الاقرب في استعمالات النية الى الوضع على كثرتها انها مجرد القصد و لذا يقال نويت العمل الفلانى و اردته و لا يقال نوى اللّه‏ العمل الفلانى بل اراده اللّه‏. ثم استعملت في معانى أو مبادى‏ء الارادة أو بما انطبقت عليه الارادة في بعض الاحيان أو لازمته نظير استعمالها في طيب النفس أو العلم بالشى‏ء. فالنية هى القصد ثم استعملت بمصطلح الفقهاء و الحكماء في الارادة ثم بقرائن خارجية فيما يساوق العلم أو يلازمه أو في ما يساويها أو فيما تنطبق عليه احياناً كانطباقها على الطيب العقلى دون الشهوى و لولا القرائن ما استفيد من النية الا القصد أو الارادة[2].

                      و الملاحظ لدينا في هذا العرض انه يفرق بين استعمال النية في عدة موارد و هذا لا يكشف عن الجهة الماهوية لوجود النية و لذا يقال ان الاستعمال اعم من الحقيقة و المجاز و بين التعريف الماهوى لحقيقة النية و قد اشرنا الى عدم تمامية التعاريف لعدم احتوائها على الجنس و الفصل القريبين و ان كان الاقرب الى تعريف النية القصد الى فعل الشى‏ء على نحو الداعى فاذا عرفت النية بمعنى الارادة فهو تعريف بالنتيجة و اذا عرفت بالقصد فهو تعريف بمقدمات الارادة كما ان تعريفها بمعنى العقد القلبى فلا يكشف عن ماهية النية لانه كما تنطبق على محض الامر التصورى كذلك تنطبق على الامر التصديق المجرد كذلك تنطبق على المراحل الاكيدة للتصديق كالاقرار القلبى الذى سار على هذا الاتجاه الملا صدرا في رسالة «التصور و التصديق» كما ان اطلاقها على الكلام النفسى الذى يعبر عنه الفعل النفسانى لا يعطي حقيقة النية و بيان هويتها فانها تختلف بلحاظ المتعلق و الحيثيات.

          و على اى حال فان التعريف الذى جرى عليه العرف و ابناء اللغة بمعنى القصد الى فعل الشى‏ء على ان يكون التحريك منبعث عن الداعى الالهي.

 

2 ـ اقسام النية

          أ : الاخطارية ـ مسلك المشهور

          ب : الارتكازية ـ مسلك المتأخرين من المحققين

          المراد بالاخطارية ان يكون المكلف قاصداً في اتيان الفعل على نحو الاستحضار الفعلى بان ينوى الوضوء بالفعل على نحو العلم الحضورى بان يكون فى اتيانه للعمل مستجمعاً لتمام الاجزاء و الشرائط بنحو التفصيل أو يكفى في الجهة الاخطارية ولو في الجملة من غير الاحاطة العامة بجميع الخصوصيات و عليه يكون مؤدى الاخطارية ان يقصد اتيان الفعل على نحو التطابق بين النية و المنوي بنحو الوجود التواردى و على نحو الكاشفية و الاراءة في مقام التطبيق خارجاً لا مجرد الانطباق لانه بحسب مسلكنا نلتزم بالفرق بين الانطباق و التطبيق كما لا يخفى.

          و ذكر في تعريف الاخطارية أيضاً بان يكون العمل ملتفتاً اليه في الابتداء كما يشترط استدامة النية الى نهاية العمل و ان عرضت على المكلف بعض الشرود الذهني فان ذلك لا يؤثر في طبيعة الخطور في حال الاستمرارية. و ذهب الشيخ الانصارى النية هى الارادة الملتفت اليها و الى مقدمات العمل كالمضمضة و غسل اليدين و الاستنشاق.

          ثم ان القائل بالخطور في ارادة العمل انه لا يكفى مجرد حصول الارادة في خزانة الحافظة ما لم يكن لها وجود في خزانة الذاكرة من الالتفات الفعلى دون مجرد التنبيه اليه فانه لا يكفى في صدق الخطور اذا كان في آن اقباله على العمل كان‏غفلة خفيفة دون الغفلة التراكمية على نحو تعاقب الصور الكثيرة فانه على بمعنى شرطية الخطور لا يصدق عليه مستحضراً بالفعل اذا كان في مرتبة الغفلة الضعيفة فكيف الحال بالغفلة التراكمية القوية.

          و عليه فاذا كان البناء على النية الاخطارية فتكون مركبة كما سار على ذلك بعض الفقهاء و اشار اليه صاحب الجواهر  قدس‏سره و غيره ممن سلك هذا الاتجاه.

 


 

          و ان كان الذى يظهر من البعض ارجاع القول بالاخطار و التركيب الى الداعى الارتكازى البسيط بينما نجد الاختلاف بين مفهوم الاخطار و الارتكاز.

          و اما المقصود من النية الارتكازية ان يتصور العمل في خزانة الذاكرة و ان كان حين الشروع بالعمل غافلاً عنه و غير ملتفت اليه الا انه يختلف بحسب استعداد النفس و قابليتها فقد يكون الفعل مغفولا عنه على نحو الانعدام في الوجود و انه مهما جلبت انتباهه لم يلتفت الى العمل و قد تعرض ملا صدرا الشيرازي  قدس‏سره فى شرحه لاصول الكافى في قوله: «ان الضرورة قاضية بانه قد يعرض للانسان مع الاشتغال بالفعل غفلة عن ذلك القصد و الداعى بحيث لو رجعنا الى وجداننا لرأينا النفس باقية على ذلك القصد الاول، و مع ذلك لا يحكم بان فعلنا وقت الذهول و الغفلة انه من غير قصد و ان حكم العبادة كحكم غيرها من الاعمال اذ ليس العبادة الا كغيرها من الافعال الاختيارية للمكلف و النية ليست الا عبارة عما ذكرناه»[3].

         و هذا يعطى ان صفحة الذهن لم تنعدم فيها تلك الصور سواء كانت بنحو التراكم الدفعى أم التدريجى أم حصول الصور القابله للانعدام عند اول الالتفات.

          و قد اشكل ملا صدرا على القائلين بالنية الاخطارية في اواخر المقام السادس بعدم اعتبار مقارنة النية و تفصيلها و ان ذلك يتمشى على مذاق القوم بان النية حديث نفسى و وجوب مقارنتها لاول الافعال[4].

          كما يراد من الداعى يطلق على الارادة المستتبعة لتحريك العضلات من باب اطلاق الشى‏ء على جزئه و مبادئه[5].

         و قد التمس الوالد  قدس‏سره ما ذهب اليه علماء النفس بان الاعتبار بالنية اخطارية و ليست ارتكازية بالبناء على ان العبادات كلها حيث كانت من المعانى الثانوية المتحيثه بالقربة و داعية لوجهه الكريم و خالصة له في العمل فلا يكفى فيها مجرد الارادة المعبر عنها بالداعى، و وجهه ان العقلاء في اعمالهم المعنونه بالعناوين الثانويه كعنوان التعظيم و الاهانة لا يعدون الشخص قاصداً للتعظيم أو التوهين بمجرد القصد الى العمل بنحو الارتكاز المحفوظ  فى خزانة الحافظة، فالارادة و ان تحققت في العمل العبادى، الا ان العقلاء فى مقام الطاعة و اداء وظائف العبودية لا يكتفون بالارادة للفعل من غير ان يلتفت اليها عند ايجاد العمل و هذا هو المعبر عنه عند علماء النفس بيقظة الضمير فان الضمير اذا لم يكن يقظا في حالة العمل ـ و ان كان الشى‏ء محفوظاً فى خزانة الحافظة بل حتى في الذاكرة لا يعده العقلاء امتثالاً لأوامر المولى و طاعة له[6].

         و الذى نتصوره في المقام ان البحث تارة في مرحلة الثبوت و اخرى في مرحلة الاثبات اما مقام الثبوت فان النفس تحمل صور متعددة تارة مضافة الى الجانب الحس و اخرى مضافة الى الجانب المعقولى كما في الوهم و الخيال و الحس المشترك و كذا في مثل الامور الوجدانية و الغرائز و الانفعالات و العواطف و نحوها و حيث ان صفحة النفس في حال اشراقها اما على ما يقترب لديها من المحسوسات فتتفاعل معه لانسها مع ما يلائمها و اما انها تتمدد في قواها الباطنيّة الى ما وراء المحسوس فتدركه من خلال الانتقالات الاخرى ولو كانت بطرق بعيده ولكن تحتفظ بما لديها من الصور الذهنية فتكون النفس حافظة لتلك الصورخزانة ذاكرتها بحيث متى ما اراد صاحب النفس ان يستلهم من تلك الاشعاعات المخزونة امكنه فتح تلك النوافذ فيطل عليها عبر اللوازم و القرائن و عليه فالنفس اما مستحضرة الصور في كل وقت يطرق عليها بابها و اما ان تقول ان الصور تحتاج الى فتح السجلات الاخرى و عليه اذا كان لها القدرة على ان تحتفظ بالصور القريبة أو البعيدة فهى قادرة على التناول ملجأ وجود ذلك المخزون في سجل الحافظة.

          و اما في مقام الاثبات فان الادلة تارة ناظرة الى دور المقارنة بين النية و العمل مثل الاعمال بالنيات و لا عمل الا بنية و من لا نية له لا عمل له و اخرى نجد فى مثل نية الصيام فالشارع اكتفى بالنسبة الارتكازية من غير ان يشترط بالنية الاخطارية و هكذا في مثل ما لو اعطى فقيراً من غير نية الصدقة ثم نوى الصدقه‏الخمس فانه يحتسب له اداء الزكاة و الخمس. الا ان يقال ان مثل هذه الموارد راجعة الى مدركها الخاص و لا يمكن ان تكون سارية في جميع الانحاء.

          و بالجملة ان المشهور ذهبوا الى اخطارية النية ولكن ما عليه اهل التحقيق الاكتفاء بنية الداعى و لذا سار على هذا الاتجاه الشيخ الانصارى  قدس‏سره على ان الداعى عبارة عن الارادة المنبعثة عن الشوق المنبعث عن التصور الجزئى التى هي فى اوان العمل تفصيليه و فيما بعده اجمالية ارتكازية مغترسة في الذهن و ان ذهل عنه تفصيلاً[7].

         و المراد باول العمل هو الاول المعدود منه بحيث يعد منه الى آخر العمل عملا واحداً كلبس الثوب للذهاب الى السوق للتجارة مثلا و الاخطار عبارة عن نفس تلك الارادة التفصيليه الا انها يعتبر اقترانها باول جزء من العمل حقيقة كغسل الوجه في الوضوء و تكبيرة الاحرام في الصلاة و اول المشى الى السوق للتجارة فلا فرق في الداعى و الاخطار في الارادة التفصيلية و انما الفرق بينهما بعد اشتراكهما فى اعتبار الارادة التفصيلية بامرين:

          1 ـ انه على اعتبار الاخطار لابد من الارادة التفصيلية حين الشروع في اول جزء من اجزاء العمل حقيقة، و على الداعى يكتفى بحصولها في اول التشاغل بالمقدمات المرتبطة بالعمل عرفاً و عادة ـ ولو ذهل عنها حين الشروع في الجزء الاول من العمل ـ لكن من اغتراسها في الذهن.

          2 ـ انه بناء على اعتبار الاخطار لابد من وقوع الجزء الاول من العمل بنية تفصيلية. ثم لمكان تعذر بقائها الى آخر العمل يكتفى فيما عداه بالارادة الا جمالية الارتكازية، و على القول بالداعى يقع الاجزاء من اولها الى آخرها بنية فعلية و هى القصد المغترس في الذهن من اول العمل الى آخره المسبوق بالارادة التفصيلية الحادثة عند التشاغل بالمقدمات المرتبطة بالعمل[8].


[1]» انوار الوسائل، ج 2، ص 349 

[2]» نفس المصدر، ح 2، ص 349 ـ 350 

[3]» شرح اصول الكافى الحجريه. 

[4]» نفس المصدر. 

[5]» انوار الوسائل، ج 2، ص 353 

[6]» انوار الوسائل، ج 2، ص 353 ـ 354 

[7]» طهارة الشيخ، طبع الحجرية. 

[8]» نقلاً عن مصباح الهدى، ج 3، ص 429 ـ 431